الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
19
أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة ( كتاب النكاح )
على كونه حصوراً ؛ وهو الذي لا يشتهي النساء » « 1 » . والظاهر أنّ هذه الآية هي العمدة في فتوى جماعة من الأصحاب بتقييد الاستحباب بتوقان النفس ؛ وإن استدلّ له بدليلين آخرين تأتي الإشارة إليهما . ويمكن الجواب عنها : بأنّ ظاهر الآية - بل صريحها - وإن كان في مقام المدح ؛ لذكر عنوان « السيّد » قبله ، وكونه نبيّاً من الصالحين بعده ، ولكن يرد على الاستدلال بها أمور : فأوّلًا : أنّ المراد من « الحصور » وإن كان هو التارك لإتيان النساء ، كما ذكره كثير من أرباب اللغة وعلماء التفسير ، ولكن يمكن أن يكون ذلك لخصوصية في حياة يحيى عليه السلام لأنّه كان كالمسيح عليه السلام كان يتردّد دائماً من مكان إلى مكان ؛ لتبليغ دين اللَّه ، وأداء رسالته إلى خلقه ، فهذا في الواقع من قبيل ما طرأ عليه عنوان الكراهة أو الحرمة لبعض العوارض ، فلا ينافي الاستحباب الذاتي . وثانياً : أنّ كون كلمة « الحصور » دائماً بمعنى من لا يأتي النساء ، غير ثابت ، بل ذكر لها معانٍ أخرى : منها : ما ذكره الشيخ في « التبيان » « 2 » في ذيل الآية الشريفة ؛ وهو الذي يمتنع أن يخرج مع ندمائه شيئاً للنفقة ، ويقال للذي يكتم سرّه : « الحصور » وقال في « المجمع » - بعد تفسيرها بالذي لا يأتي النساء - : « ومعناه أنّه يحصر نفسه عن الشهوات ؛ أي يمنعها . وقيل : الحصور : الذي لا يدخل في اللعب والأباطيل ، وقيل : هو العنّين ، وهذا لا يجوز على الأنبياء ؛ لأنّه عيب » « 3 » . فقد ظهر ممّا ذكرنا : أنّ لها - على الأقلّ - ستّ معان : العنّين ، الذي لا يأتي النساء ، الذي يمتنع أن يخرج مع ندمائه شيئاً للنفقة ، الذي يحصر نفسه عن
--> ( 1 ) . المبسوط 4 : 160 . ( 2 ) . التبيان 2 : 452 . ( 3 ) . مجمع البيان 2 : 742 - 743 .